



و أنا لازلت أتخبط بين الجدران أجول في أنحاء البيت أكاد أمــوت من الهذيــــــــان و أحاور نفسي قائــــلا: يا نفس في هذا الشتاء و البرد يضرب الأحشــــــاء تجدين لك مأوى وعشرات في بلداتنا لا يجدون ! وتأكلين ما تشتهين وغيرك يا نفس جائـعــون ! و تهنئين بأمن و أمـــــان و أخوان لك مشردون ! وظللت طوال الليل أبكى حتى أتى صوت حنون و أذن المؤذنون: الله أكبر... الله أكبر وجاءت كعادتها لتوقظــني أصلى من لو أثقلوها بالدرر أو الياقوت و المرجان لقلت لهم عذرا تنحوا فتراب قدميها جنة الرحمن. جاءت أمي فوجدتني ما ذقت نوما ولكن ذقت سهرا و ألما فقالت بصوت يذهب الغم ويزيل الهم: مالك يا ولدي يرحمك الله ؟ قبلت يدها و ارتميت في عطفها الخضم قلت:يا أم أما ترين حال أمتي ؟ قالت : هون عليك فقلت: كيف يا أماه و دمنا مباح و عرضنا ينتهك و أهلنا مشردون. . و الخير فينا قد هلك ؟ كيف و أخي في قانا قد ذبح وما ثأر له بشر ؟ و أمي في بغداد مات ابنها وما ثار الدم و نكر ؟ و أختي في لبنان تصرخ. .و كأننا دون الحجر ! و عروبــــــــــــــــــــــــــتــــــي و عروبتي قد قيدوها. . وفى القيود ستحتضر قالت وفزعت: والله لا. . . عروبتنا لن تحتضر قلت : الظلام قد انتــــشــر ! قالت: تنحى عن الظلام. . ستجد نورا. . بل شرر قلت: ومجدنا اندثـــــــــر ! و عز نفسي قد انكســــــــر ! قالت: فأما المجد يبنى بالسواعد و الفكر وأما العز يأتي بالله دوما. . فأقم صلاتك و اصطبر. عروبتــــــــي لن تحتــــضـــر ! ومجد أمتي ما اندثــــــر ! و عم مدينـتـنـا السلام و رحل عن وطني الكدر و أذاعت الصحف الخبر يا ليته حقا خبـــر! و ااسلامـــــــــــــــــــــــاه و اعروبتــــــــــــــــــــــاه واأمــــــــــــــــــــاه. . . أين المفـــــــر ؟ قالت: بني و مهجتي. . مهلا إلى الله المفـــر ! أسبلت دمعي حينها و أشرت إلى رب السماء قائلا: حقـــــــــا. . . إلى الله المفـــــــر. قالت : صلاتك يا بطل . فقلت: إلى الله المفــــر. و أقام عبد الله صلاتنا. . و ما حضر إلا ثمان أو عشر. واأسفاه . . ثمان أو عشر ؟! صليت خلف إمامنا. . . قرأ الإمام و حين قال: " ففروا إلى الله ". هاجت هنالك المقل و علا النحيب و انتهر. . . فلما قال: الله أكبر. . سجدت إلى الله الجباه فهنا . . . إلى الله المفـــــــر. يا رب أصلحني أنا. . و اغفر ذنوبي و الزلل. يا رب.. أمتي . . أمتي خير أمة أخرجت و خير من لك امتثل و خير من نهى عن المنكر و بالمعروف أمر. يــــــــــــــــــــا ربـــــــــــــــــــــــــــــــ. . . القدس يبكى كل يوم و ينتحب بغداد صارت مسرحا. . فيه المذابح ترتكب وهضبة الجولان . . للمنية ترتقب ! ! و اجتاح أوطاني اللئام. . و الصدر يكويه اللهب. يا رب خلص أمتي. . وقيد لأمتي عمر. . . قال الإمام: الله أكبر، فقام من خلف الإمام وما استطعت هنا وقوفــــا. . و ظللت أدعو و أنتحـــــــــب. . . قرأ الإمام و ركع و سجد. . . حتى انتهى من الصلاة. . و اقترب فقال: ما لك يا فتي ؟ ! . لم ألتفت . وظل وجهي يرتعد. . و ظللت ساجدا لربى. . وقلت: يا شيخ العرب. . فقال: مالك يا فتى ؟ ! . فقلت بلسان الخضوع: اشهد أن لا اله إلا الله و أن محمدا رسول الله. . خير الأنام و البشر. . وداعـــــــــــــــــــا أمتي. . وداعـــــــــــــــــــا . . وداعـــــــــــــــــــا يا أمي. . وداعـــــــــــــــــــا . . ورأيت هنا عين اليقين. . . . إسلامنا يا أمتـــــــــي. . . إسلامنا يا أمتــــــــــي. . و عروبتـــــــــــــــــــــــي لن تحتـــضـــــر. 
<<الصفحة الرئيسية









